السيد كمال الحيدري
21
روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية)
على العابد تحصيلها فإنّها بنفسها ستكون داعيةً لتحقيق الكمالات ، وحيث إنّ فلسفة الكمالات الإلهيّة تحفّز وتحرّض العابد على التواصل والرقيّ فإنّها بنفسها تشكّل ضمانةً لتحصيل واقعيّة العبادات وإبقائها وتعميقها . العبادات . . . طريقٌ وهدفٌ قريبٌ أمّا كون العبادات طريقاً فلأنّها موصلةٌ إلى الكمالات الإلهيّة ؛ فيكون الهدف المقصود هو نفس الكمال ، وأمّا كونها هدفاً فلأنّها أحد وجوه سرّ الخلقة ؛ لقوله تعالى : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( الذاريات : 56 ) ، كما أنّ هدفيّة الكمال ليست نهائيّةً ، فهنالك غايةٌ أبعد وأجلّ ، وهي نيل رضوان الله تعالى ، ونيل الرضوان صورةٌ حاكيةٌ عن واقعيّة الوصول . ثمّ إنّ الله تعالى غنيٌّ عن الطريقيّة وعن الأهداف القريبة والبعيدة ؛ فالطريقيّة إنّما احتيج لها لقصورٍ ظاهرٍ في الإنسان ، والهدفيّة بمراتبها سبلٌ ترشيديّةٌ لضبط ونظم سير وسلوك الإنسان ؛ فالإنسان بلا هدفٍ يسير نحوه سيعيش في تيهٍ وضياعٍ ؛ فلابدّ إذن من توحيد حركته نحو هدفٍ واضحٍ ليتمكّن من الوصول ، فمن لم يرسم له هدفاً فحركته الكماليّة في تخبّطٍ وضياعٍ . من هنا لابدّ أن يتعايش الإنسان المؤمن مع هذه الحقيقة الثنائيّة : حقيقة الطريقيّة والهدفيّة ، وحقيقة الغنى التامّ لله تعالى عن تلكم الطريقيّة والأهداف مهما كانت الطريقيّة والأهداف نبيلةً وعظيمةً ، وإلّا لزم نسبة النقص لله تعالى . وهذا الغنى ذاتيٌّ وليس عرضيّاً ، حتّى في إيصال الخير لخلقه هو في غنىً تامٍّ عنه ، فضلًا عن غناه في إيصال الخير لنفسه . قال شيخنا الأستاذ الآمليّ : « وحيث إنّ الخالق تعالى غنيٌّ عن العالمين ، فليس بناقصٍ ؛ فلا يفعل فعلًا لغرضٍ يتوخّاه وغايةٍ يطلبها ، وإلّا لزم أن يكون بذاته ناقصاً ومحتاجاً ، ويصير بغيره كاملًا ومستغنياً ، وحاشا الغنيّ المحض